صبحي الصالح

34

مباحث في علوم القرآن

أنزله اللّه ، وشتان بين أسلوب محمد ولو كان أفصح البشر وأسلوب منزل القرآن صاحب القوى والقدر ! فكان لزاما على العلماء أن يبالغوا في الحيطة والحذر ، ويوجبوا على كل مستشهد بحديث قدسي أن يستهل العبارة بقوله مثلا : « قال رسول اللّه فيما يرويه عن ربّه ، أو قال اللّه تعالى فيما رواه عنه رسوله ، أو قال تعالى في « الحديث القدسي » ، بهذا التقييد والتحديد . ولسنا الآن بسبيل الحديث عن إعجاز القرآن ، فقد عقدنا له فصلا في أواخر هذا الكتاب ؛ وإنما يعنينا التنبيه على وعي النبي نفسه الفرق الذي لا يتناهى بين حديثه وكلام اللّه . ولئن كانت هذه التفرقة ملحوظة حتى في الأحاديث التوقيفية والقدسيّة ليكوننّ إدراكها في آراء الرسول الدنيويّة أولى وأجدر وأوضح وأيسر . ولن نذهب في المقارنة بعيدا ، فإن حادثة « تأبير النخل » أو تلقيحه قريب منا ، مشهورة لدينا : مرّ عليه السلام بقوم على رؤوس النخل : ، فقال : « ما يصنع هؤلاء ؟ » فقالوا : يلقّحونه ، يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما أظن يغني ذلك شيئا » . فلما أخبروا بقول الرسول تركوا تلقيح النخل ، فقال النبي : « إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فإني إنما ظننت ظنّا فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدثتكم عن اللّه شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على اللّه عز وجل » . ويلاحظ أن النووي سلك هذا الحديث في صحيح مسلم في باب « وجوب امتثال ما قاله عليه السلام شرعا دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرأي » « 1 » . ومعه رواية أخرى تنتهي بقوله عليه السلام : « أنتم أعلم بأمر دنياكم » « 2 » فميّز النبي تمييزا قاطعا بين تجربته الإنسانية الدنيوية الظنية التي يحتملها احتمالا ويرجو ألا يؤاخذه صحابته بها ، وبين تجربته النبوية الدينية القطعية التي يأمرهم بالأخذ بها كلما

--> ( 1 ) انظر صحيح مسلم ، بشرح النووي 13 / 116 . ( 2 ) صحيح مسلم 13 / 118 .